الجصاص
268
أحكام القرآن
وقد اختلف في غسق الليل ، فروى مالك عن داود بن الحصين قال : أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول : " غسق الليل اجتماع الليل وظلمته " . وروى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول : " دلوك الشمس حين تزول الشمس إلى غسق الليل حين تجب الشمس " . قال : وقال ابن مسعود : " دلوك الشمس حين تجب الشمس إلى غسق الليل حين يغيب الشفق " . وعن عبد الله أيضا أنه لما غربت الشمس قال : " هذا غسق الليل " . وعن أبي هريرة : " غسق الليل غيبوبة الشمس " . وعن الحسن : " غسق الليل صلاة المغرب والعشاء " . وعن إبراهيم : " غسق الليل العشاء الآخرة " . وقال أبو جعفر : " غسق الليل انتصافه " . قال أبو بكر : من تأول دلوك الشمس على غروبها فغير جائز أن يكون تأويل غسق الليل عنده غروبها أيضا ، لأنه جعل الابتداء الدلوك وغسق الليل غاية له ، وغير جائز أن يكون الشيء غاية لنفسه فيكون هو الابتداء وهو الغاية ، فإن كان المراد بالدلوك غروبها فغسق الليل هو إما الشفق الذي هو آخر وقت المغرب أو اجتماع الظلمة وهو أيضا غيبوبة الشفق ، لأنه لا يجتمع إلا بغيبوبة البياض ، وإما أن يكون آخر وقت العشاء الآخرة المستحب وهو انتصاف الليل ، فينتظم اللفظ حينئذ المغرب والعشاء الآخرة . قوله تعالى : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) . قال أبو بكر : هو معطوف على قوله : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) ، وتقديره : أقم قرآن الفجر ، وفيه الدلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن الأمر على الوجوب ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة . فإن قيل : معناه صلاة الفجر قيل له : هذا غلط من وجهين ، أحدهما : أنه غير جائز أن تجعل القراءة عبارة عن الصلاة لأنه صرف للكلام عن حقيقته إلى المجاز بغير دليل . والثاني : قوله في نسق التلاوة : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) ويستحيل التهجد بصلاة الفجر ليلا ، و " الهاء " في قوله " به " كناية عن قرآن الفجر المذكور قبله ، فثبت أن المراد حقيقة القراءة لإمكان التهجد بالقرآن المقروء في صلاة الفجر واستحالة التهجد بصلاة الفجر . وعلى أنه لو صح أن المراد ما ذكرت لكانت دلالته قائمة على وجوب القراءة في الصلاة ، وذلك لأنه لم يجعل القراءة عبارة عن الصلاة إلا وهي من أركانها وفروضها . قوله تعالى : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) . روي عن حجاج بن عمرو الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يحسب أحدكم إذا قام أول الليل إلى آخره أنه قد تهجد ، لا ، ولكن التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ،